القراءة في تاريخ أوروبا يكشف لك عن زيف الصورة التي رسمها المفكرون المسلمون عن هذه القارة وما حصل في داخلها قبل أن تنفجر على العالم كله وتغزوا كل شبر بالقوة أو بالثقافة أو بالسلع.
ويمكنك قراءة صورة من هذا التصور المنتشر والساذج في كل كتاب معاصر كتبه المفكرون المسلمون على اختلاف مشاربهم لمعالجة موضوع الإسلام والحداثة والتطور.
ولكن ما يرافق هذه الكتابات هو نوع من الشعور بالاستثنائية التاريخية التي يشعر بها المفكر المسلم تمنعه من الانحدار البشري الذي تعيشه أوروبا اخلاقياً وروحياً وحتى فكرياً.
قد يقول المفكر المسلم إن العلمانية مثلاً خرجت في الغرب نتيجة عقيدة المسيحية الخاطئة ونتيجة طغيان رجال الكنيسة والأفعال السيئة التي كانوا يقومون بها ضد المجتمع ككل [1]
أو قد يقول إن الإسلام يعطي فلسفة حياة مختلفة لا تسمح بالانحدار، بل إن بعضهم يخصص هذا الأمر بطائفته كما فعل هذا الكاتب حيث اعتبر أن انحدار إيران الديني نابع من الفكر الشيعي العلماني داخلياً!! [2]
بالطبع هذا كله ينتج من التقاط في تاريخ أوروبا الكبير في الحقبة المعاصرة واختيار نماذج محددة منها، مع العلم أن هذه الأحداث التي يختارها المفكر ليس بالضرورة لها ذلك الأثر الواسع على المجتمعات في أوروبا ولكن هو جزء من السردية التاريخية التي كتبها مفكرون أوروبيون عن تاريخهم.
السردية هذه قد تذكر لك الكاهن برونو ثم تعرج بك على كوبنيكوس ثم غاليلو ثم الثورة الفرنسية ثم الإصلاح البروتستانتي حتى يبدوا لك التاريخ كأنه مسلسل درامي تحكي قصته ممارسات الكنيسة الضالة وردات الفعل العلمانية المبررة في ذلك السياق، ثم يرجعك هذا المفكر إلى الشرق الأوسط ويقول لك ولكننا لسنا مثلهم وبهذا لن نمر بما مروا به.
بالطبع لا يمكننا فهم هذه السردية بل والطريقة الغبية في التفكير إلا أنها انعدام للموضوعية والعلمية وانعدام أبسط أساليب التتبع العلمي.
ما تحدثه هذه الطريقة من التفكير هو أسوأ من مجرد وهم في تاريخي لا أثر له، هذه الطريقة في التفكير جعلت الشعوب المسلمة شعوبا مضمونة التدين مضمونة الروحانية لا مجال لها أن تنتكس دينيا مهما كانت طبيعة الحياة التي يعيشها الشخص، وأي ضلال أو انحراف إنما هو نتيجة نفوذ أجنبي أو فئة منحلة تحتاج إلى تأديب ومع أن هذا ليس خطأ بالضرورة إلا أنه تحليل سطحي للواقع الاجتماعي.
في الحقيقة مقدار التدين في المجتمع مرتبط بعوامل كبيرة هي خارج النطاق الفكري منها أسلوب الحياة، طبيعة العلاقات الاجتماعية، كيف ترتبط النخب مع العوام... إلخ.
كلها أمور لا تتعلق بماذا يفكر الإنسان بل بكيف يعيش، وهنا لا نقصد بالضرورة مستواه المعيشي بل كيفية المعيشة.
وبالعودة إلى قصة العلمانية في أوروبا نكتشف هذه الحقيقة، أوروبا التي تنتهي قصتها عند مفكرينا المسلمين مع الثورة الفرنسية وصلح ويستفيليا كان تحاكم على الكفر والهرطقة وبعض الأحكام الدينية إلى ما قبل التسعينيات [آخر قضية هرطقة ناجحة كانت في بريطانيا عام 1977] [3]
شخص مثل جورج هايلوك مؤسس فكرة العلمانية كأسلوب حياة وليس فقط نظام حكم بالهرطقة عام 1842 أي بعد 100 عام من الثورة الفرنسية وبعد 300 عام من صلح ويستفيليا [4]
لا أملك دراسة واسعة عن مستويات التدين في الغرب ولكن ما يمكن العثور عليه هو أن الغرب كان متديناً إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية وبعدها بدأ الانحدار العام في التدين ما حصل لم يكن ثورة فكرية بالضرورة وإنما هو تغير في أمور مختلفة منها مستوى الدخل، طبيعة العلاقات الاجتماعية وأسلوب الحياة. [5]
انفجار كبير في أعداد الدخول إلى الجامعات، تقلص في أعداد العائلات، تمحور العلاقات الاجتماعية حول النشاطات الاستهلاكية بدلاً من الذهاب إلى الكنيسة كل هذا وأكثر يتزامن تاريخياً مع تراجع الدين في الغرب. [6]
الوهم العظيم بالاستثنائية الإسلامية هو بالضبط ما جعل إيران اليوم تتصارع اجتماعياً مع العلمانية، إيران الإسلامية كانت مؤمنا بهذا الاستثناء بشدة ولهذا لم ير القادة في التسعينيات بأساً من تغير المجتمع لأن التغير لن يؤدي إلى أي شيء معارض للدين أو علماني ولكن ما حصل هو العكس تماماً.
إيران الإسلامية وسعت من دائرة الضمان الاجتماعي ووسعت من عدد الجامعات وفتحت الباب أمام تحول الاقتصاد من عمل السوق إلى عمل الشركات والمصانع كل هذا قاد إلى ما نراه اليوم من تحول على مستوى المجتمع.
ينبغي أن نفهم هذه الحقيقة قبل الحديث عن نفوذ الغرب.
بل إن نفوذ الغرب يبقى ضئيل في المجتمعات التي لم تتغرب حياتياً كما رأينا في أفغانستان مثلاً، مع ما صرفته الإدارة الأمريكية في محاولة لنشر أسلوب الحياة الغربي في أفغانستان فمجرد أن خرجوا من أفغانستان عاد كل شيء إلى سابق عهده وكأن هذه الأموال تبخرت من الوجود، هذا ببساطة يرجع إلى أن المجتمع الأفغاني لا زال يعيش أسلوب حياة غير غربي يرتكز على القرية والقبيلة والمسجد.
وهم الاستثنائية يؤدي إلى التسامح مع تغريب وتغير المجتمع من الداخل طالما أن هذا التغريب لا يحمل عنوان المعارضة الصريحة للدين، إلا أنه على أرض الواقع يؤدي إلى أكبر هجمة على المؤسسات الدينية التقليدية [القبيلة، المجتمع، العائلة..] ، هذه المؤسسات المفكر المسلم لا يمتلك ولاء خاصا معها لأنه لا يراها نواة قوة الإسلام بل قد يرى فيها مخالفة للدين كما في القبيلة، إلا أن واقع الأمر الأديان لا تنتقل عبر الفلاسفة والمفكرين بل تنتقل عبر العائلة والآباء والقبيلة والثقافة اليومية للمجتمع.
--
[2] https://muslimskeptic.com/2022/09/03/failure-political-shiism/
[3] https://en.wikipedia.org/wiki/Whitehouse_v_Lemon
[4] https://heritage.humanists.uk/object/g-j-holyoakes-arrest-warrant/
[5] https://religionnews.com/2014/01/27/great-decline-religion-united-states-one-graph/

