إذا ما سألنا أنفسنا ما هي كُلْفَة التعايش؟ بلا شك التعايش اليوم له مروجون ودعاة بل إنه يصعب عليك أن تدخل أي مناقشة فكرية دون أن يمر ذكر التعايش، أسهم شركة التعايش من أعلى الأسهم في سوق الأسهم الفكرية اليوم ولكن ما هي اَلْكُلْفَة؟ ما الذي ندفعه قبال هذا التعايش؟
التقزز: آلية دفاعية ممتازة ضد الأفكار الخاطئة.
عندما تقرأ كتب الملل والنحل سوف تجد شيئا ثابتا في هذه الكتب وهو التركيز على الأفعال المنحرفة للفئات المخالفة، صدقوا في كلامهم إم كذبوا هذه الطريقة في الحقيقة غاية في الدقة للتنفير من أي فكرة مخالفة.
العقل البشري مصمم للابتعاد عن كل ما يثير التقزز ويحتاج جهودا كبيرة لكسر هذه الغريزة.
في البلدان التي تحولت من الإسلام إلى العلمانية لا زال لحم الخنزير غير مرغوب به وتناول الخمور أيضا في مستويات قليلة كل ذلك للميراث من النفور والتقزز الذي خلقه الإسلام داخل هذه الشعوب والذي أصبح ميراثا ينقل بالثقافة العامة.
إلا أن هذا التقزز زرعه الإسلام أيضا تجاه الأديان الأخرى والمعتقدات الشرقية وبهذه الطريقة جعل قابليتها على الانتشار أو التغلغل بين المسلمين شبه مستحيلة.
فمثلاً لا ينقل لنا التاريخ عن حركة عودة إلى عبادة الأوثان في المجتمعات الإسلامية أو حتى حصول تحولات كبرى نحو النصرانية أو اليهودية
ولا زلنا حتى الآن لا نرى هكذا حالات حيث إن أقصى ما رأيناه هو أما انحرافات داخل إطار إسلامي أو خروج عن الإسلام إلى الإلحاد.
نجد أن القرآن الكريم يجعل العقيدة النصرانية من عظمة الشرك تكاد تجعل الكون ينهار بالكامل ففي سورة مريم:
وَقَالُوا أتخذ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا
ويتبع هذا التحذير الذي بلا شك يجعل أي مسلم يذعر من هول الشرك الموجود في النصرانية أحكام يومية مثل نجاسة المشرك فمثلاً يقول السيد الخوئي:
إِلَّا إنك عرفت أن نجاسة المشركين مورد التسلم القطعي بين أصحابنا قلنا بدلالة الآية أم لم نقل، كما أن نجاسة الناصب ومنكري الصانع مما لا خلاف فيه وعليه فلا بد من التكلم في نجاسة غير هذه الأصناف الثلاثة من الكفار.
ويقع الكلام أولاً في نجاسة أهل الكتاب ثم نعقبه بالتكلم في نجاسة بقية الأصناف فنقول: المشهور بين المتقدِّمين والمتأخِّرين نجاسة أهل الكتاب بل لعلّها تعدّ عندهم من الأمور الواضحـة، حتى أنّ بعضهم ـ على ما في مصباح الفقيه ـ ألحق المسألة بالبديهيات التي رأى التكلّم فيها تضييعاً للعمر العزيز [1]
يضاف إلى ما ذكر الكثير من الأحكام التي تجعل غير المسلم في البلاد الإسلامية أقل الناس في السلم الاجتماعي فيذكر العلامة الحلي [2] بعض الأحكام مثل أنه لا يجوز له أن يبني داراً أكبر من بيوت المسلمين ولا يجوز لهم أن يركبوا الخيل ولا حمل السلاح ولا تصدر المجالس.
هذه الأحكام ليست عبثية هي ببساطة سوف تجعل أهل الذمة فئة ليست جذابة للأفراد إلى درجة أنهم سوف ينفرون من معتقداتهم مباشرة ودون حاجة لقراءة موسوعات علم الكلام الطويلة
التعايش يكسر التقزز:
مؤخراً لاحظت الكثير من الدراجات التي تضع الصليب، الكثير من الناس لديها رأي محبب عن المسيحيين، بل إن بعض السفهاء يرتدون ملابس المسيحيين ويدخلون بها في المواكب الحسينية من باب أن هناك تقاربا مزعوما بيننا وبينهم أو بناء على فهم مغلوط لقصة أحد أصحاب الإمام الحسين- عليه السلام- الذين استشهدوا معه في معركة الطف. كل هذه الرؤية الإيجابية عن المسيحيين يمكن فهمها إذا ما عرفنا أن الآليات المناعية قد زالت تحت اسم التعايش.
ولا نتحدث هنا بالضرورة عن الفتاوى الفقهية حيث إن الناس قليلاً ما تتفاعل مع الفتاوى فعلاً وإنما نتحدث عن زوال المناعة المبنية على التقزز من عامة الناس بعد سنين من رؤيتهم المسيحية كحالة صحية مقبولة داخل المجتمع مثلاً.
وأتذكر أن أحد الأشخاص سألني ما هي المشكلة أن نزور الكنائس ونشعل الشموع مع أصدقائنا تكريماً للسيدة مريم؟
الان قد لا يكون معظم الناس معرضين للتحول الى المسيحية لكن بلا شك معظم هؤلاء الناس معرضين للتعاطف وللعبادة في معابد الدين الأقوى في العالم حالياً وهو الليبرالية نتيجة الكثير من عمليات استبدال أعصاب التقزز الثابتة لدى المسلمين .
هذه العملية الناجحة قام بها نخب دينية وثقافية ومؤسسات دولة على مدى أعوام متواصلة .
يمكننا ان نرى كيف ان الديانة الليبرالية الشائعة لم تدرس خياراتها جيداً عندما حاولت الترويج للمثلية الجنسية . لأن عصب الثورة الجنسية لم يزرع بعد في البلدان الإسلامية ولم ينتزع عصب التقزز من الانحرافات الجنسية .
ولكنهم نجحوا بإزالة الاعصاب المتعلقة بالمسيحية مثلاً بالكامل بحيث اصبح بعض الناس لا يدركون ان المسيحيين مشركين اصلاً .
--
[1] التنقيح في شرح العروة الوثقى المؤلف: الخوئي، السيد أبو القاسم- الشيخ ميرزا علي الغروي الجزء: 3 صفحات: 40
[2] تذكرة الفقهاء- ط آل البيت المؤلف: العلامة الحلي الجزء: 9 صفحات: 340

