من المعتاد أن تسمع في كتب المسلمين التي تتحدث عن المجتمع عبارة "الإنسان كائن اجتماعي" ولكن مع ذلك لا يبتعد هذا التحليل عن رصد حاجة الإنسان للجماعة البشرية لمواجهة احتياجات الحياة المادية. فلا يتجاوز التحليل إلى موضوع أن الأخلاق البشرية نفسها في الأعم الأغلب هي ظاهرة اجتماعية لا فردية.
الإنسان ككائن اجتماعي ليس بالمثالية الفلسفية التي تجهزه لدراسة الخطأ والصواب على نحو فلسفي عقلي عميق ولذلك المجتمعات نظمت نفسها فطرياً عن طريق السمعة الجيدة. يمكنك أن ترى ظاهرة الاهتمام بالسمعة في اشد المجتمعات الإنسانية بساطةً وبدائية.
السمعة والخوف من عواقب النظرة السيئة لها أثر كبير على ما نفعله وما لا نفعله في حياتنا وما نعتاده وما نتطبع عليه. الثقافة الاجتماعية إذن هي عامل أكثر حظوة في حياتنا من أي فلسفة أو دين أو عقل.
في هذا المقال سوف أناقش أمور قد تبدوا غير مرتبطة بالأخلاقيات للوهلة الأولى لكن مع التفكير العميق سوف نرى بوضوح قوة ارتباطها.
السياحة كعامل تغيير للثقافات المحلية:
السياحة بوصفها مورد اقتصادي كبير اصبح من النادر أن تجد أمة أو شعب يعترض على انتشار و دخول اقتصاد الدولة في خانة الاقتصادات السياحية.
بالطبع السياحة ليست صنف واحد وبعضها لا اثر له غير كميَّة الموارد المالية مثل السياحة العلاجية .
لكن السياحة التي نتكلم عنها هنا هي السياحة الترفيهية التي هي دخول أجانب للاستمتاع بما يقدمه هذا البلد من معالم أثرية أو طبيعة أو ترفيه .
السياحة كعامل اقتصادي قائمة على توفير وسائل الراحة والاستمتاع للسائح وبدخول سيّاح من ثقافات متنوعة يجب على البلدان التي ترغب بالتحول إلى نموذج سياحي أن تتخلى عن اعتراضاتها الأخلاقية ضد الأخر ، لا يمكنك أن تقول لسائح أن ما تفعله خطأ لأنك تستجدي دخوله إلى بلدك ولهذا يجب أن تزيل أي عقبة أو امتعاض أمام استمتاع وراحة السائح .
البلدان السياحية تتخلى عن جزء كبير من استقلالها الثقافي و حتى القانوني في سبيل الحفظ على مصدر الرزق السياحي .
هذا يحصل حتى دون وجود حركات مقاطعة ضد هذه الدولة. لماذا يجب على السائح أن يذهب إلى بلد يحرم شرب الخمور بينما يمكنه قضاء وقت ممتع في دولة أخرى تتمتع بنفس الطبيعة الخلابة مع عدم وجود أي حظر على الخمور ؟
لماذا على السائح أن يذهب إلى دولة تحارب الدعارة بينما يمكنه أن يبحث عن دولة أخرى لديها سماح بالدعارة ؟
النمو في أي قطاع اقتصادي يتطلب القدرة على المنافسة والسياحة ليست بدعاً عن هذا الأمر إذا لم تكون دولتك "ممتعة" فانت لن تكون قادر على المنافسة ثم تضطر أن تتنازل أو أن تلغي فكرة التحول نحو السياحة.
مع تشكل كتلة حرجة من الاعتماد الاقتصادي داخل البلد المستضيف للسياح سوف تتولد كتلة بشرية من داخل المجتمع تضغط على الحكومات في سبيل الحصول على المزيد من السياح او إلغاء أي قانون من شأنه أن يضر قطاع السياحة .
لو أخذنا على سبيل المثال سكان الأهوار في العراق المعتمدين بشكل كامل على الصيد والمنتجات الحيوانية فهؤلاء لا يمتلكون أي طموح بتغير المجتمع بل لعلهم من العوامل المقاومة للتغير الأخلاقي داخل المجتمع . مع صعود السياحة في الاهوار والحاجة إلى المزيد من وسائل الترفيه داخل الاهوار سوف يتحول هؤلاء السكان إلى السياحة كمصدر رزق رئيس فهو اكثر ربحاً بلا شك هذا التحول سوف يرافقه تحول في توجه سكان الاهوار ، من كان يرفض التغيير الاجتماعي اصبح لديه حافز مادي للمطالبة بالتغيير الاجتماعي لزيادة أعداد السياح ، بل سوف يتحولون إلى عوامل ضغط ضد أي حكومة تطمع بالرجوع المجتمع إلى حالة اكثر صحية .
مع نمو القطاع السياحي سوف يفكر البلد المستضيف ألف مرة قبل أن يقدم على أي عمل من شأنه أن يغضب الكتلة البشرية التي يأتي منها السياح
في 2019 قرر سلطان دولة بروناي الإسلامية وضع قوانين موافقة للشريعة للتعامل مع المثلية والتحول الجنسي ، بعد ساعات قليلة من أعلان القانون وضعت دولة بروناي تحت حصار اقتصادي من قبل المشاهير والمهتمين بالسياحة اضطر السلطان أن يخضع وهو صاغر ويلغي هذا القانون حتى يوقف احتمالية تجويع بلده بعد أن اصبح بلد سياحي 100%
في قلب السياحة هو تحويل البلد إلى مستعطي مكسور الوجه لا يملك القدرة على أن يعترض أخلاقيا ضد من يتمنن عليه وألا قطع عنه رزقه .
كيف تأثر الثروة القومية على الاخلاق؟
يمكننا ان نزعم هنا ان مع ارتفاع مستويات الثروة للأفراد فإن هذه الثروة تمثل انتقالة نوعية في دائرة السمعة الاخلاقية.
بشكل عام تمثل الثروة القومية صعود في دخل الافراد وتوفر فرص اقتصادية اكثر لكل المواطنين.
في كتابها الدولارات والجنس كيف يأثر الاقتصاد على الجنس والحب تقول عالمة الاقتصاد مراينا ادشادا:
"لماذا هناك ربط بين الثروة القومية والانحلال الجنسي؟ قد تكون لسبب بسيط ان الانحلال الجنسي يصبح متعة مقدور على ثمنها اكثر في البلدان الاغنى منه في البلدان الفقيرة التي على الاغلب سوف تنشغل عقول سكانها بأمور اخرى غير الحصول على رفقاء جنسيين متعددين.."[1]
بعد ان وضحنا هذه النقطة يمكننا ان نستعملها كمنطلق لتوضيح العلاقة اكثر بين مستوى الدخل الفردي وبين الانحراف الجنسي.
كما قدمنا فأن النسبة الاكبر من الاخلاق هي ممارسات اجتماعية نلتزم بها خوفاً من السمعة السيئة التي قد تلحق بنا من اقراننا واهلنا وعوائلنا. الا ان السمعة السيئة يقل ضررها مع صعود الدخل للأفراد وقلة حاجتهم للمجتمع المحيط بهم،
صاحب الدخل العالي يمكنه ان لا يبالي بمن حوله من الناس بل اي تأثير سيء قد يلحقه من السمعة السيئة يمكنه ان يعوضه بقدرته المالية الكافية.
الدخل الاعلى يعني امكانية للأنتقال الى مركز الاقتصاد المهمة في البلد، شراء منزل منفصل عن العائلة الاكبر، بناء علاقات اجتماعية من الاقران.
هذه الثلاث عوامل في حقيقتها تمثل حرية اكبر من نظام السمعة الاجتماعي.
الانتقال إلى مراكز الاقتصاد المهمة يعني ترك المدينة، القرية، البلدة التي لها القدرة على الحكم عليك كشخصية معروفة والانتقال إلى مدن الغرباء، هذه المدن التي لا يربط بين أفرادها شيء سوى الرابط الاقتصادي وبالتالي لا يوجد خوف أو حتى إمكانية لتكون نظام سمعة أخلاقي.
شراء منزل منفصل عن العائلة الأكبر يعني بالضرورة الانفصال عن أخطر فئة تؤثر على نظام السمعة وهي العائلة الأكبر المتمثلة بالأم والأب وباقي الإخوة والأخوات وباقي أبناء العمومة. مع بيت جديد فإن الإنسان يحصل على حرية أكبر لفعل ما يحب ويشاء دون أن يكون هناك امتعاض أو رفض لأطراف آخرين وبالتالي تضايقت دائرة السمعة الأخلاقية من أفراد عديدين إلى فردين أو ثلاثة وهذا هو أصل العائلة النووية التي شكلت معظم عوائل أمريكا في فترة الستينيات التي تكونت من أم وأب وطفلين.
لَحِقَا نصل إلى المرحلة الأكثر خطورة، في الغالب يبدأ الإنسان هنا بتشكيل حلقة اجتماعية من الأقران، هؤلاء مثله قد خرجوا من دائرة السمعة الأخلاقية الأصلية ودخلوا في عواصم الدولة أو في المدن الجديدة أو انتقلوا إلى منازل منفصلة، لا يملكون بينهم أي رابط أخلاقي قوي ولكن يجمعهم أسلوب الحياة هذا، هؤلاء يصبحون حلقة من النفوذ يؤثر بعضهم بعضاً بل قد نرى أن بعضهم يدفع الآخر للمزيد من الانحراف الأخلاقي [بدون الخروج عن المعتاد].
هنا قد تشكلت الطبقة الجديدة من أصحاب الدخل العالي بعد ثراء الدولة وتمتعها بفترة انتعاش اقتصادي.
كيف يمكننا تطبيق ما سبق على العراق؟
إذا ما بدأنا في فترة العشرينيات عندما تشكلت الحكومة العراقية الحديثة المتمثلة بالعهد الملكي، فإن النظام الجديد الأكثر تطوراً اقتصادياً من النظام العثماني الذي كان فيه معظم العراقيين قبائل بدوية ترتحل في مضارب تختلط فيها البداوة مع بعض الزراعة مع وجود مراكز مدنية صغيرة تحتوي على دوائر الدولة العثمانية أو مراكز دينية.
الدولة الملكية الجديدة مثلت انتقالة كبيرة، البيروقراطية الحكومية الجديدة كانت تتوسع بشكل مستمر، الدخل القومي الجديد كان يرتفع وإن كان يرتفع لموظفي الدولة دون عامة الناس ولكن يمكننا دراسة هذه الفئة بالتحديد.
مثل موظف الدولة مواطن متنقل منقطع من أي نظام سمعة أخلاقي كان كل ما عليه فعله هو أن يكون موظف دولة وبعد ذلك سوف يقبض مرتبه الذي يتيح له أن يشتري داراً أو أن يصرف على دور السينما التي فتحت حديثاً أو أن يذهب إلى الملاهي الليلية التي فتحت حديثاً... إلخ
المواطن الجديد كان مواطن يأخذ إشارته الأخلاقية من موظفي الدولة أقرانه وبالتالي يمكننا أن نفهم لماذا انحسر الدين كل هذا الانحسار في الفترة ما بين الملكية إلى السبعينيات.
فترة السبعينيات مثلت انتقالة جديدة الثراء الاجتماعي الذي حصل نتيجة أسعار النفط نقل العراق نقلة نوعية، شرب الخمور أصبح أمر معتاداً بل كان من المستهجن ان لا يشرب الشخص الخمور، مدن صغيرة لا يتعدى سكانها الخمس ألف نسمة كان فيها نوادي لقرع الخمور، الانحلال الأخلاقي في قمته.
ما بعد السبعينيات وانتكاسة التيارات السياسية العلمانية والحرب والأزمات الاقتصادية التي ضربت العراق عاد العراق دولة فقيرة وعاد الصوت الأعلى فيها للدين بعد أن مثلت الأفكار العلمانية الحاكمة نموذج للقمع والفقر والجوع والموت والدمار.
لم يعد هناك في الساحة إلا الدين الذي لا يحتاج إلى أنظمة اقتصادية ضخمة حتى ينتشر بين الناس، التدين الذي حصل بين فترة الثمانينيات إلى نهاية 2012 يمثل هذه الفترة التي عاش فيها الفرد العراقي الفقر المدقع الذي جعل أكثر العوائل تهدم بعض أجزاء البيوت لبيع حديد السقوف.
هذا الفقر أدى إلى رجوع نموذج العائلة الكبيرة بعد أن اختفى في مشاريع الإسكان الحكومية في فترة السبعينيات، كان من الطبيعي أن ترى عائلة مكونة من 18 نفر تسكن في بيت واحد، لم يعد الناس يمتلكون رفاهية الانحراف الأخلاقي في الجنس أو في الخمر أو في الترفيه.
عودة العائلة الكبيرة والعشيرة للصدارة عنى أن نظام السمعة الأخلاقي عاد وبقوة ليحتل المشهد، حتى موظف الدولة لم يعد بإمكانه أن يهرب من هذا النظام بل توغل النظام حتى في حصون الدولة المتمثلة في المدن والعواصم وأصبحت العشائر والعوائل هي المصدر الأكبر للأخلاق الاجتماعية.
ما بعد 2003
هذه الفترة مثلت ارتفاع الحصار الاقتصادي المفروض على الدولة العراقية والرجوع الى تصدير النفط بل ورافقه حالة جديدة وهي توسع قطاع العمل الحكومية الى درجة كبيرة حتى اصبح معظم الدخل هو من الدولة.
مع الوقت اصبح الناموس المقرر لكل موظف حكومي ان يخرج من بيت اهله الى بيته الخاص مع ان هذا كان امر مستهجن ومرفوض في ما سبق، مع الوقت اصبحت العوائل نفسها تطالب ابنائها بالخروج.
مع هذا جاء ايضاً موجات نزوح كبرى للمدن والعواصم لأغراض اقتصادية وأكثرها الى بغداد موظفين كانوا أو كسبة.
بالتالي الفترة ما بين 2003 الى 2012 تمثل فترة تراجع نظام السمعة الاخلاقي الاجتماعي مقابل صعود نظام الافراد.
اما الفترة ما بين 2012 الى الان فهي تمثل النمط الاخير لم يعد الفرد محكوماً بشيء غير قناعاته الشخصية التي هي وليدة ما يروج له وما يُرغب به.
يمكنك ان ترى صعود في نسبة متعاطي الخمور وهي ظاهرة نادرة قبل 2012 وصعود في العلاقات الجنسية خارج اطار الزواج وهي ظاهرة نادرة قبل 2012 وصعود في ظاهرة تحديد الفرد لأخلاقه الخاصة دون وجود اي تأثير لنظام سمعة اخلاقي يذكر.
كل هذا يمكن تفسيره بصعود دخل الفرد العراقي وزيادة قدرته الشرائية.
في الفيديو الذي تراه مع المنشور [وهو دعاية حكومية] قد تنتابك موجة من النوستالجيا او الحنين الى بلد افضل
لكن عليك ان تقرا بين السطور وتفهم ماذا يحصل في الفيديو
هذا الفيديو لا يختلف عن فيديوات كثيرة من فترة الستينات في امريكا واوروبا
حيث يقدم المواطن الجديد ، موظف الحكومة المثالي الذي تتطابق اخلاقه مع قوانين الدولة [العلمانية] الذي يعيش في بيت صغير ويقضي وقت فراغه بمشاهدة التلفاز والانخراط في انشطة ترفيهية
بمعنى اخر انت امام دعاية حكومية ترتبط مع فترة الرخاء الاقتصادي
ومع انسحاب نموذج السمعة الاخلاقي وصعود نموذج موظف الدولة الذي ليس له جذور اخلاقية ولا يحكم على تصرفاته غير قانون الدولة كل هذا بسبب الثراء القومي الذي اتاح امكانية هكذا مشاريع .
[1]Dollars and Sex: How Economics Influences Sex and Love
Book by Marina Adshade

