الربط بين أي أيدولوجيا معينة والتكنولوجيا بذاتها أمر ليس صعب ولكن قد يؤدي إلى تحليلات سطحية عبر ربط الاعتقادات الحالية لليسار أو اليمين مع وضع التكنولوجيا.
ما سوف أحاول فعله في هذا المقال هو تعقب السلوك اليساري تجاه التكنولوجيا عبر التاريخ بالطبع هكذا أمر ليس مهمة سهلة للقيام بها في مقال واحد بل هي مهمة تحتاج إلى كتب كاملة.
التقدم ضد الحدود الطبيعية:
عند قراءة رسالة ثوماس مالتوس التي تحدث فيها عن أزمة الموارد المحدودة وتضاعف السكان تحدث عن أحد المعارضين لفكرة نفاد الموارد البيئية فيقول:
"... الصرعة الحالية من التخمين غير المقيد بقيد يبدوا أنها نتيجة السكر العقلي الناتج من الاكتشافات العظيمة غير المتوقعة التي حصلت في السنين الماضية، في فروع مختلفة من العلم، الرجال المنتعشون والمتحمسون بهذه النجاحات يبدوا لهم كل شيء متاح وبين يدي القوى البشرية وتحت هذا الوهم يجمعون مجالات لا يمكن أن يحدث فيها أي تقدم مع مجالات حصل فيها التقدم فعلاً..."[1]الهوس بكسر حدود الطبيعة استمر بعد مالتوس عند المفكرين الأوروبيين:
"في ذروة القرن السابع عشر وقبل رجوع التفكير القديم والقلق الرومانتيكي، كان الفضول أصبح جزءا أساسيا من المعرفة البشرية... وسع العلماء والفلاسفة مفهوم الفضول ليس فقط لما يمكن معرفته عن العالم الطبيعي بل لحدود الطبيعة نفسها والمهمة كانت لتحديد إذا ما كانت هذه الحدود يمكن تجاوزها.النقاش الحداثي عن النقص في المؤن والسكان جعل الحديث عن حدود العالم الطبيعي حديثا ثابتا يعاد مناقشته."[2]على خلفية هذا النقاش الفكري كيف يمكننا تصور الفكر اليساري في تعامله مع التكنولوجيا؟
اليساري لا يمكنه إلا أن يؤمن إيمانا عميقا بالتكنولوجيا لأن كل ما يؤمن به من مبادئ محددة بالطبيعة البشرية.
كيف يمكن لليساري أن يتجاوز مفهوم الأمة والعرق والقبيلة وهي مفاهيم تتصلب وتتقوى عند حالات الصراع على الموارد؟ ببساطة إذا كان هناك موارد كافية للجميع سوف تقل الصراعات وبالتالي تتبخر هذه العوامل التي يلجئ لها الإنسان عند حالات الصراع.
كيف يمكن للإنسان أن يكون سيد نفسه إذا كانت طبيعته البشرية تحد من هذه السيادة؟
وبما أن الفكر الماركسي هو اليسارية منقولة من طبيعتها الغنوصية المسيحية إلى الغنوصية المادية فهنا من المناسب أن نرى كيف يرى ماركس التكنولوجيا؟
بالنسبة لماركس فالتكنولوجيا لوحدها هي حالة ثورية من الإنتاج تغير طبيعة العمل وتزيد من تقسيم العمل ولكنها تحت الوجود الرأسمالي تمثل زيادة في إمكانات الطبقة البرجوازية على سحب المزيد من الإنتاجية من جسد العامل وسحب المزيد من القيمة من الموارد الطبيعية ولكنه يرى أن هذا هو نتاج الطبقة البرجوازية وليس أمر ملازم للتكنولوجيا نفسها:
"ماركس ينتقد التأثيرات الكبيرة للآلة على الإنتاج وزيادة الاغتراب بين العامل وعمله ولكن الإنتاج الصناعي المعتمد على الآلة سوف يستمر بعد الثورة العمالية التي تنبئ بها ماركس في البيان الشيوعي، ولكن هذه المرة ليس بآلية اغترابيه بين العامل وعمله. بل إن الآلة هي مصدر الثراء الفائض الذي سوف تنعم به الحياة تحت المجتمع الشيوعي... وبالتالي نقد ماركس ليس دعوى للعودة إلى وضعية إنتاج أكثر بدائية."[2]وبمعنى أوضح يقول أنجلز:
الصناعة الكبرى محررة من ضغط الملكية الخاصة، سوف تمر بفترة تمدد ضخمة تجعل ما نراه الآن تافها بالمقارنة كما هو حال التصنيع اليدوي أمام الصناعة الكبرى لعصرنا هذا. هذا التقدم في الصناعة سوف يوفر للمجتمع المنتجات الكافية لسد احتياجات الجميع. ونفس الأمر سوف يحدث للزراعة، والتي هي بدورها تعاني من ضغط الملكية الخاصة التي تقيدها من خلال تقسيم الأراضي المملوك بالملكية الخاصة إلى قطع صغيرة. هنا التحسينات المتوفرة والإجراءات العلمية سوف تطبق وسوف ينتج ذلك قفزة عملاقة إلى الأمام توفر للمجتمع كل ما يحتاجه من منتجات. [3]هذا الفرح المستمر بالمخلص التكنولوجي من حقيقة الحدود الطبيعية استمر عند الأحزاب اليسارية إلى عصر الطاقة النووية حيث نرى فرح الأحزاب الشيوعية بإمكانات العصر النووي فنقرأ مثلاً:
في فرنسا كانت النشوة النووية قد بدأت فور وصول الأخبار أن هيروشيما قد ضربت بالنووي. وعد الأعاجيب التكنولوجية والإيمان بالعصر النووي المبني على سيل لا ينقطع من الطاقة النظيفة والرخيصة والآمنة سيطر على البلاد. بفخر كان جورج كوجنة [مفكر شيوعي فرنسي] يذكر قراءة "في بلادنا ولد العلم الذري. فرنسا لديها ثلاثة الألف متخصص نووي بينما باقي أوروبا الرأسمالية لا تمتلك أكثر من ألف"[4]استمر هذا الإيمان العميق بالتكنولوجيا عند مفكري اليسار بعد الثورة الجنسية في الستينيات حيث نجد النسوية شلومث فايرستون تقول:
"العائلة البيولوجية لطالما اضطهدت النساء والأطفال ولكن الآن ولأول مرة في التاريخ التكنولوجيا خلقت المقدمات الضرورية للانقلاب على هذا الاضطهاد" الطبيعي "... أصبح من الضروري للبشرية أن تتحرر من طغيان البيولوجيا. البشرية لم يعد بأماكنها أن تبقى في هذه المرحلة الانتقالية بين الحيوان البسيط والسيطرة التامة على الطبيعة."[5]الفضاء، حلم تجاوز أزمة الموارد المحدودة:
في كتابه رفاهية شيوعية مؤتمنة بالكامل يشرح الكاتب الشيوعي البريطاني من أصول إيرانية هارون بستاني يوضح أن هناك ثلاث خطوات نحو الوصول للشيوعية نمر خلالها في زماننا الحالي أولها الأتمتة التي سوف تحرر الإنسان من الحاجة للعمل وثانيها الطاقة المتجددة التي سوف تجعل الطاقة حرة ونظيفة ومتاحة للجميع وآخرها تنقيب الفضاء للوصول إلى الموارد اللامحدودة في الفضاء والتي سوف تحرر الإنسان من أزمة الموارد المحدودة على الأرض. [6]العلاقة بين اليسار وبين حلم التكنولوجيا الخيالية التي تفصلنا عن حياتنا الطبيعية هو حلم لازم اليسار منذ ولدته إلى اليوم بالطبع لم يفكر أي يساري إذا ما كان الإنسان يمكنه أن يعيش في هكذا طريقة مخملية من العيش وما الذي يمكن أن يحصل لعقله ونفسيته عندما يصل إلى مرحلة الرخاء التام
إلى اليوم نرى معدلات الاكتئاب والانتحار المرتفعة في أي مجتمع يصل إلى حالة رخاء عالية بل نرى تفسخا كاملا حتى في نوعية الرغبات البشرية، البريطاني الذي كان يدمن الأفيون خلف البريطاني الذي يدمن الهروين والمخدرات الأقوى التي تقتل الإنسان بسهولة شديدة.
عليه يمكننا القول إن إيمان اليسار بالتكنولوجيا هو صفقة مع الشيطان، في أي صفقة مع الشيطان قد تعتقد أنك تحصل على مرادك إلا أن الحقيقة هي أنك تفعل ما يريده الشيطان فقط
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا
[1] An Essay on the Principle of Population , Thomas Robert Malthus
[2] Karl Marx on Technology and Alienation, Amy E. Wendling
[3] The Principles of Communism ,Friedrich Engel
[4] One Hundred Years of Socialism: The West European Left in the Twentieth Century , Donald Sassoon
[5] The Dialectic of Sex , Shulamith Firestone
[6] Fully Automated Luxury Communism, Aaron Bastani

