القليل من الكلمات تلقى صدى واسع واستخدام مكثف في النقاش السياسي هذه الأيام بدون ان تحدد فعلياً ما هي هذه الكلمة، كيف تكتسب المواطنة، كيف تفقد، ما هو موقع المواطنة في الامة – الدولة.. الخ من الأسئلة التي لا تعثر على نقاش عليها الا في كتب العلوم السياسية شديدة الندرة .
لا شك في ان العالم كان مقسم الى حاكم ومحكوم منذ نشوء اول اشكال الحكم القبلي في العالم الا ان صور العلاقة هذه تغيرت مع طبيعة المجتمعات وتفاعلها مع بعضها البعض. عبيد، اقنان، مؤمنين، احرار ، ومواطنين كلها كانت صيغ لوصف او تقنين هذه العلاقة بين الحاكم والمحكوم وتحديد ما الذي يربط الطرفين ببعض .
طائفة المدينة [الاغريق والرومان]
ظهر مصطلح المواطنة بشكل واضح في الحضارة اليونانية ولحقاً الاغريقية ومع انهما حضارتان منفصلتين الا انهم فعلياً ينتميان الى ديانة قديمة واحدة [1]. هذه الديانة التي عرفها المؤرخ الفرنسي نوما-دنی فوستل دو کولانژ بديانة المدينة القديمة كانت قائمة على عبادة الاسلاف والالهة لحقاً طبيعة هذه العبادة خلقت الكثير من المؤسسات التي على أساسها ولدت الحضارة الغربية .
هذه الحضارة الغربية كانت تضح الحد بين الحاكم والمحكوم ليس بين الأشخاص بل بين العوائل او المنازل بمعنى كان هناك العام والمنزلي ولم يكون هناك العام والخاص يقول الفيلسوف السياسي السير لاري سينتدب :
بالنسبة للرومان والاغريق، التميز الفعلي لم يكون بين العام والخاص بل بين العام والمنزلي. وكان الاعتقاد ان الحلقة المنزلية هي العائلة، وليس الاشخاص المتمتعين بالحقوق. الحلقة المنزلية كان حلقة مبنية على عدم المساواة. عدم المساواة بين الادوار كانت ضرورية للطقوس العبادية في العوائل القديمة. وبالتالي من غير العجب ان نرى ان المواطنة كانت تعطى لرأس العائلة وهو الاب ولحقاً ابنائه. وكان يستثنى منها النساء والعبيد ومن ولادتهم اجنبية (الذين ليس لديهم تنور او عبادة خاصة بهم او سلف معروف) [2]
نتيجة لهذه المكانة الدينية لأب العائلة وتمتعه بالمواطنة وهي مجموعة من الحقوق الأساسية التي تجعله يقوم بدوره الديني في طائفة عبادة الاسلاف والالهة وكذلك تحرص على حماية ممتلكاته.
حماية الممتلكات هذه لم تأتي من فكرة فلسفية عن الملكية كانت ببساطة مرتبطة بقدرة العائلة على إتمام عبادة الإسلاف بشكل صحيح لأن القبر كان ملك العائلة عبر الأجيال والميت الذي لا يعبده أبنائه يتحول الى روح شريرة في العالم الاخر.
ويضاف الى ذلك قداسة التنور يقول دو كولانز :
كان الاعتقاد الشائع او الرأي الذي شكل المدينة القديمة هو عبادة السلف. وكانت الوحدة الأساسية هي العائلة، وكل عائلة لها تنور ونار، تحيي ذكرى اول سلف ذكر للعائلة . كانت الاضاحي تعطى بشكل متكرر، وكانت نار التنور يجب ان تبقى مشتعلة باستمرار واي انطفاء لها سوف يجلب غضب الاسلاف.
كانت هذه اللبنات الأولية لبناء مفهوم المواطنة في العالم الاغريقي الروماني حيث انه من واجب الحاكم ان يسمح للمحكومين ان يبقوا على تمجيد اسلافهم وقبور اسلافهم ولا يمكن ان يتم ذلك الا اذا كانوا يملكون المنازل التي يوضع فيها التنور والقبر [في أحيان كثيرة كان الناس يدفنون داخل البيت نفسه].
تطور مفهوم المواطن من حق الملكي البسيط هذا الى حق التمثيل القانوني والتحاكم العادل بين المواطنين وباقي الحقوق التي تمتع بها ارباب العوائل في الحضارة الاغريقية والرومانية.
وكذلك اوجب ذلك واجبات منها التجنيد العسكري عند الحاجة وهذا عكس الشائع في كل العالم في تلك الفترة حيث ان الدول كان جيشها يتكون من نخب عسكرية قبلية تتخصص في القتال ولا شأن لها بباقي الحياة العامة.
بالطبع هذه المعادلة لم تبقى مستمرة وتغيرت مع الوقت وربما اندثرت في العصور الوسطى مع بقايا خطوط قليلة من اثارها.
الدولة الحديثة والمواطنة:
رواد عصر التنوير كان ولعهم قوي جداً بالإغريق والرومان، احاطوا انفسهم بكل ما له علاقة بتلك الحقب من اشعار وقصص وتاريخ وملاحم وفن ومنحوتات ، كان المتعلم في تلك الفترة يقرأ بالإضافة الى الانجيل كتب المؤرخ الروماني شيشرون و بلوتارخ واليوناني هيرودوتس .
يمكنك ان تقرا هذا الولع بكل ما هو روماني او اغريقي في كتاباتهم [3] كما لو انهم لا يعرفون غير هذه الكتب. هذا أدى الى حالة من تصور تلك المجتمعات على انها يوتوبيا عظيمة لا يقدر اللاحقين على ادراك امجادها وعظيم صنعها .
وبالتالي كانت الاحلام السياسية لهذه الفئة الجديدة في النخب الفكرية تتطلع الى تقليد تلك الحقب قدر الإمكان فكانت الجمهورية بديلاً عن الملكية المطلقة للملوك الفرنسيين وكانت المواطنة بديلاً عن البيعة بالولاء للملك.
مثلت المواطنة في عهد الدولة الحديثة بالإضافة الى بعدها الفكري الممزوج بالخيال ايضاً معادلة نافعة لما تتطلب الدولة الحديثة من الناس . فهي تريد من افراد العائلة كلهم ان يكونوا جنوداً مجندة في خنادق العمل في المصانع او في خنادق القتال في الجبهات الامامية ولن تكتفي بذلك بل سوف تأخذ الضرائب ايضاً لتمويل تلك الاعمال الكبيرة التي جعلت من جغرافيا الأرض نفسها مادة للتغير . هذا الكم الهائل من النفوذ على الناس ما كان يحلم فيه اشد الملوك عتواً وطغياناً فهذا هو الملك الفرنسي لويس السادس عشر اصبح عرشه مهدد بعد ان فرض ضريبة على الملح .
يقول السيد ولي رضا نصر :
الدولة تستطيع بسهولة ان تخضع مواطنيها بالقوة، ولكن حتى تحكم بنجاح يجب عليها ان تسيطر على رعاياها عقدياً - اي ان تسيطر على التربية الثقافية لرؤيتهم الاجتماعية والسياسية . التقارب الوظيفي بين الاخضاع بالقوة والاخضاع العقدي متقارب الى درجة يصعب معها التفريق بينهما في كثير من الاحيان . اهمية السيطرة العقائدية لا ينبع من حاجة الدولة ان تسيطر جسدياً على انصارها بل بتقليل الحاجة للسيطرة الجسدية . السيطرة العقائدية تولد تناسق بين الافراد وبالتالي تعطي للدولة سيطرة على القوى التي قد تمزق المجتمع . وكذلك تجعل الحكم اكثر نجاعة واقل اعتمادية على الاكراه لأنها تعطي سيطرة اكبر على الاموال وتجعل استخراج الموارد [من الناس او الطبيعة] اكثر سهولة عبر اعطاء المواطنين جزء من الملكية في الدولة يصبح المواطن مستثمر في نجاح هذه الدولة . وسوف يكون للدولة هيمنة مطلقة على مواطنيها من خلال السيطرة العقدية وبالتالي تكون حرة في تركيز جهودها على البحث عن النمو الاقتصادي.[4]
هذه السيطرة الكبرى لا يمكن ان تحصل الا عبر اقناع الشخص انه والدولة واحد وان أي اجراء تتخذه الدولة انما تتخذه لمصلحته او باسمه وهنا يأتي التعريف الفعلي للمواطن كأداة قوية تستخدمها الدولة الحديثة للسيطرة العقدية على المحكومين عبر اقناعهم انهم هم أصحاب الدولة الحقيقيين .
لا يمكن تصور الجهود التي استثمرتها الدول حول العالم ومنها الدولة العراقية الحديثة في سبيل تثبيت ذلك الفكر في عقل كل مولود حتى أصبحت المواطنة مسلمة عقلية لا مجال لأنكارها .
كما ان هذه العقيدة ترفد باقي عقائد الدولة الحديثة مثل العلمانية والأمة الدولة في تثبيت وجودها في عقل المحكومين .
المواطن اذن هي فكرة مجردة صنعتها الدولة الحديثة في محاولة افتعال الية سيطرة جماعية على المحكومين من خلال تكون الدولة هي الرب الأعلى للمواطن وعلى المواطن ان يدين لها بالولاء المطلق فيعادي اعدائها ويوالي اوليائها ويعبدها متى شاءت منه ذلك ويوفر لها الموارد متى رغبت منه بذلك بلا أي تردد في ذلك .
الان ما بعد الحروب العالمية الأولى والثانية اصبح المحكومين في الدول الحديثة مقتنعين بذلك وعلى أساسه طالبوا بما لهم من حقوق على الدولة ، في المجتمع العراقي لن تجد شخص يكفر بمواطنته بل يرى ان مواطنته تؤهله الى الكثير من المنافع التي يجب على الدولة ان توفرها له دون ان يوفر أي شيء هو بالمقابل .
حتى عندما جُعلت الدساتير مصادر شرعيتها من المواطن نفسه لم تعطي للمواطن حرية في ماذا يفعل بلك السلطة التي منحته له . في كلمات كرتس يارفن
اذا كان المواطنون غير قادرين على تغيير الحكومة فهم ليسوا مصدر للسلطة، اما اذا كانوا مصدراً للسلطة فيجب ان يقدروا على تغير السياسيين بل السياسات بل البيروقراطية ، بل بنية الدولة ، بل حتى شكل الحكومة نفسها . اذا كان المواطنون هم مصدر السلطة فيجب ان يقدروا على التنازل عن تلك السلطة بلا رجعة في ذلك وان يحولوا نفسهم من مواطنين الى رعية [5]
التحليل الذي كتبناه يفترض ان يكون محايد في حكمه على المواطنة.
[1] The Ancient City. A Study on the Religion, Laws, and Institutions of Greece and Rome. ,Numa Denis Fustel De Coulanges
[2] Inventing the Individual: The Origins of Western Liberalism, Larry Siedentop
[3] مقال في العبودية المختارة ، اتين دي لابويسيه
[4] Islamic Leviathan: Islam and the Making of State Power, Vali Nasr
[5] Principles of the deep right, Curtis Yarvin

