الكثير من النقاشات التي تدور في المساحة الأنترنيتية أصبحت تدور حول الحرية. حتى صحة دين معين تدور مدار ما يسمح به من حرية للأفراد.
اقتضى هذا الأمر انتباه خاص للحرية وما هي وكيف تطورت كمفهوم عبر التاريخ
لا شك أننا اليوم نعيش في عصر يبدوا ظاهرياً أن عصر انطلاق الحرية بكل ما للكلمة من معنى، لم يعد الإنسان مكبل بأي دستور اجتماعي-ديني يحتم عليه ما يفعل وما لا يفعل من يختار أن يصبح متديناً يختار وهو لم يولد داخل منظومة طاعة الدين.
ألا أن المعادلة يبدوا فيها تناقض، نحن نعيش في عصر تمثل فيه الدولة ثقب اسود يدور حوله كل كيان الفرد.
تتعلم في مدارس حكومية
تتوظف في دوائر حكومية
الحكومة لديها القدرة على أن تسيطر على حتى مقادير الكاربوهيدرات في جسدك
سيطرة لا مثيل لها على مر التاريخ
في عام 1872 حاول الوالي العثماني على العراق مدحت باشا أن يطبق قانون التجنيد الإلزامي على العراقيين وبدء ببغداد تحديدا، الثورات التي حصلت داخل العراق على هذا القانون تلاحقت أولا في بغداد ثم في الفرات الأوسط ثم في الجَنُوب والبصرة.
القبائل العراقية رفضت هذا القانون ورفضت تطبيقه، وبعد معارك كثيرة بين الجنود العثمانيين وبين العشائر انتهى الأمر بالسماح للعشائر بدفع بدل مالي عن أداء الخدمة العسكرية
بعد مئة سنة من هذا التاريخ كان قانون التجنيد الإلزامي هو السبب الأكبر للإعدامات التي يقوم بها الحزب البعثي الحاكم ضد العراقيين "المتهربين" من الخدمة العسكرية
بل أن الخدمة العسكرية أصبحت طريق مرغوب به لبعض العوائل الفقيرة للحصول على دخل متوسط
أي تفكير عميق في الموضوع سوف يتضح أن سلطة الدولة توسعت على حساب سلطة المواطن على نفسه
"في كل الأزمنة والأمكنة نحن نواجه بظاهرة الطاعة المدنية، السلطة تأمر والمجتمع يطيع. وعندما تخاطب السلطة دولة أجنبية فان وزن كلمتها يعتمد على مقدار ما تملكه من طاعة داخلية من الشعب وقدرتها على استعمال تلك الطاعة ومن يعلم أسباب الطاعة فانه يعلم الطبيعة الداخلية للسلطة. التاريخ يخبرنا أن الطاعة لها حدود التي يجب أن تلتزم بها السلطة ...ألا أن هذه الحدود كما يخبرنا التاريخ لها حدود فمثلاً الملوك الكابيتونيين لم يكونوا قادرين على أخذ الضرائب بشكل مباشر وبعدهم ملوك آل بوربون لم يستطيعوا أن يفرضوا الخدمة العسكرية." برتراند دي جوفينال
للتخليص : تمتلك الدولة الحديثة مقدار سيطرة لا مثيل له على الإنسان دون أن نضع أي قيمة حكمية على هذه السيطرة هل هي سيئة أم جيدة
عن الحرية [2] العصر الديموقراطي:
في عصرنا هذا الديموقراطية تمثل ثقب اسود تدور حوله كل الدول وتختلف في قربها وبعدها حسب مدى جدية النظام في تبني الديمقراطية.
هل يمكنك أن تشير بأصبعك إلى دولة على الخريطة اسمها دولة اللا ديمقراطية؟
لا يوجد لا أحد يجرئ على تحدي الأله المعاصر للدولة الحديثة حتى كوريا الشِّمالية، فهي تسمي نفسها جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية ومثل أي عبد فان مخالفة أومر هذا الرب واردة ولذلك نجد أن جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية تمارس عادات مخالفة لأؤمر الرب بشكل دائم [ولعل التوبة قريبة أن شاءت الديمقراطية].
الدولة العراقية ودستورها الحديث يذكر أن للدولة دين رسمي أو بصورة اصح دينين رسميين :
المادة (2):"
أ- لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام.
ب- لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع مبادئ الديمقراطية."
ولكن لنتكلم عن الديمقراطية عموماً:
تقول الأسطورة أن النظام الديمقراطي مبني كما يلي:
تمثل الدولة شركة ذات أسهم موزعة على ملاك الأرض المواطنين، هؤلاء الملاك يجتمعون بين مدّة وأخرى لاختيار من يدير الشركة ولضمان الاختيار السليم فان الديمقراطية تحرص على حفظ حرية التعبير والصحافة حتى يصل إلى الملاك أخبار صحيحة عن جودة الإدارة الحالية.
الواقع أكثر تعقيداً.
ولكن لنكمل المقارنة التي أفمناها بين الدولة الحديثة والدولة القديمة، لم يكون هناك إمكانية لتغير نظام الحكم في الدولة القديمة قد نتصور أن هذا سيء ولكن يمكننا تصوره على انه أمر جيد أيضا. عدم إمكانية تغيير النظام يعني أن حقوقك وواجباتك هي بدورها غير خاضعة للنقاش، إذا كانت الدولة القديمة تؤمن بانه يحق لك أن تملك أرضك وتزرعها كما تشاء وتبيعها كما تشاء لن يحصل أي تغيير لهذه المعادلة، فكما أن نظام الحكم ثابت حريتك ومقدارها ثابت أيضا
ماذا عن الدولة الحديثة؟
الدولة الحديثة قائمة على فكرة التغيير الدائمة، كلما حصلت مشكلة فيجب على الحاكم أو الحكام البحث عن تعديل لمعادلة الدولة للعثور على حل لهذه المشكلة. اليوم الدولة تبيح لك أن تملك أرضك وتزرعها كما تشاء وتبيعها كما تشاء غداً من الوارد جداً أن تقتنع الدولة الحديثة أن هذه حالة غير صحيحة وان الدولة يجب أن تسيطر على الموضوع وبذلك حقوقك ومقدار حريتك أصبحت خاضعة لفكر الحزب، الفرد أو الجَمهور الحاكم.
لنأخذ مثال تطبيقي على هذه الحالة من الدستور العراقي أيضا:
المادة (23):
أولاً: - الملكية الخاصة مصونةٌ، ويحق للمالك الانتفاع بها واستغلالها والتصرف بها، في حدود القانون.
هذا الحق الذي كفله الدستور للمواطن العراقي مَعْرِض للتغير عبر أفناع عدد كافي من الناس *
هل يمكننا تصور إلغاء حق الملكية الخاصة تحت الدولة القديمة؟ حتى عندما عاث المغول بدول أسيا والشرق الأوسط لم يأت على عقل المغولي أن يغير هذا الحق أو يلغيه
بالنسبة للمغولي فان هذا الحق يمثل حقيقة طبيعية مثلها مثل أن الإنسان يمتلك عظم ولحم، أمر غير خاضع للتفكير فضلاً عن المناقشة أو محاولة التغيير
بالنسبة للدولة الديمقراطية الحديثة؟ هو مجرد فلسفة أخرى لتوزيع الموارد قابلة للمناقشة والمناظرة والتشكيك و الإزالة
للتلخيص :
الديمقراطية لديها سلطة عليك اكثر من مغولي يضع سيفه على رقبتك.
أريد أن أكرر التنويه أن هذا ليس حكماً بالإيجاب أو بالسلب على هذا التوسع في السلطة.
" إرادة القوة الديمقراطية تتكلم باسم الكل، أنها تسحق كل شخص تحت وزن مجموع الأشخاص الممثلين داخلها، أنها تضطهد النفع الخاص باسم النفع العام المتجسد فيها، الخيال الديمقراطي يعطي للحاكم سلطة الكل والكل هو الذي يشرع وهو الذي ينفذ" – برتراند دي جوفينال
بعد مسيرتنا التاريخية الطويلة هذه عن التقدم التاريخي لسلطان الدولة والتراجع التاريخي لسلطان الإنسان على نفسه من المتوقع أن يبقى هناك مثال أخير على التقدم الفعلي لسلطان الإنسان على نفسه.
هذا التقدم هو في التقدم الشخصي للحرية
فاليوم نحن نرتدي كما نشاء، نأكل كما نشاء ـ نفعل ما نشاء [بحدود ما تقرره الدولة] دون تقييد من فكر معين أو منظومة اجتماعية معينة أو تقاليد موروثة أو هذا ما نتصوره عن حياتنا اليومية
ولكن حتى يصح كلامنا هل الحرية الشخصية تقدمت أم تأخرت فمن الواجب أن نسأل عن مصادر الرغبات البشرية في المجتمعات المعاصرة
علم ألإحياء يخبرنا بان للإنسان رغبات معينة يحتاجها وهي الرغبات التي يمكننا أن نقول عنها أنها رغبات بشرية حقيقية وهذه هي رغبات مثل الطعام ، التناسل ...الخ
هذه الرغبات لا تتعلق بالمكون الحياتي للإنسان بعيداً عن ما قد يرغب به الإنسان حتى يعيش حياة سعيدة.
الحقيقة أن ما عدّ حياة سعيدة يتغير حسب ما نتعرض له كبشر في حياتنا اليومية ولا نقصد هنا التجارِب الحياتي بل ما نتعرض له كبشر من اعتبارات الآخرين واعتبارات الثقافة الحاكمة على مجتمعاتنا.
ثلاث أجيال في الماضي كان قمة ما يرغب به الشخص هو أن يذهب إلى الحج بعد أن استطاع أن يوفر لنفسه ولعائلته سكناً كريماً ومعيشة مستقرة .
ما يمكننا قوله أن الرغبات والأحلام التي كان أجدادنا القريبين يملكونها تختلف جذريا عن ما نريده نحن اليوم، وهذا لا يشير ألا لتغير مقياس السعادة والرغبات حسب الزمان والمكان واعتبارات الثقافة الحاكمة.
ما نعرفه من تجربة الدعاية في القرن الواحد والعشرين أن الرغبات البشرية يمكنها بسرعة أن تتحول إلى حقوق بشرية عبر أستعمال احترافي لهذه الدعاية وخصوصاً ما فعله ادورد بيرنيز من استعمال الدعاية بشكل لا مثيل له لخلق الكثير من الرغبات الجديدة التي بدورها تحولت إلى حقوق .
من اهم الأمثلة التي تستعمل على حرفية وذكاء ادورد بيرنيز هو قدرته على ربط التدخين بحرية المرأة عبر ما سماه شعل الحرية .
قبل ادورد بيرنيز كان التدخين يعتبر عمل شائن اجتماعياً تترفع عنه المرأة الأمريكية.
ولكن بعد حركته الدعائية التي سماها شعل الحرية نجح بتحويل التدخين إلى علامة على قوة وتأنث وتحرر المرأة.
الدعاية تلعب دور كبير في رغباتنا واطلاعنا على ثقافات جديدة هو اطلاعنا على دعايات جديدة
ولإيضاح هذه الفكرة اكثر
فكر بما يلي :
هل ترغب بتناول أكلة غربية معينة ؟ ماذا عن أكلة صينية معينة ؟
في الأغلب كان الجواب عن السؤال الأول هو نعم و عن السؤال الثاني فهو لا
لكنّ ما سبب هذا التفاوت ؟
بالتأكيد فاصل اللغة مهم ولكن بالدرجة الثانية هو كَمّيَّة الدعاية ، في الأغلب لم تصادف في حياتك أي دعاية لطعام صيني ولا نقصد بالدعاية هنا مجرد الإعلانات تروج لهذا الطعام بل نقصد محتوى ثقافي يعرف أو يروج أو حتى يصور هذه الأكلة بل في الأغلب لا تعرف حتى ما هو الطعام الصيني خارج ما نراه من أمور مقرفة يتناولها هؤلاء الناس
الأمر مختلف تماماً بالنسبة للطعام الغربي الأمريكي خصوصاً، أنت حتى لا تحتج أن ترى دعاية أمريكية فالكثير من الدعاية بالعربي أصلا وهذا الطعام الغربي يصور لك إعلاميا عن طريق الأفلام والمسلسلات والمحتوى الثقافي بشكل يومي وبشكل مستمر.
هذه الرغبة بالطعام الغربي ليست رغبة عضوية نشأت لديك بل هي وليدة سنين وسنين من التلقين والترغيب وربط هذه الأطعمة بالتقدم والاستمتاع والروعة .
مثالنا السطحي عن الأطعمة يكشف لنا كَمّيَّة الدعاية التي نغرق بها في حياتنا اليومية .
هل يمكننا أن نقوم بنفس الأمر بخصوص رغبات أخرى ؟
ماذا عن التحرر الجنسي والعلاقات خارج أطار الزواج بالتأكيد الرغبة بالزنا هي رغبة بشرية ولكن لم يكن أجدادنا ينظرون لها على أنه نوع من أنواع العلائق البشرية الصحيحة كانت مجرد طريقة لإشباع رغبة جنسية وكل ما نسمعه عن قصص معشوق ليلى وغيره من قصص العشق العربية مرتبطة بوجود حائل بين هذا الشخص وبين الزواج بمعشوقته .
كم هو حجم المحتوى الثقافي الذي قمت باستهلاكه منذ طفولتك حتى الآن الذي يروج فكرة الرفيقة الجنسية (girl friend) هل تعتقد أن هذا المحتوى الثقافي لم يكون له أي اثر على اعتبارك أن هذه الرغبة طبيعية وهي حق إنساني ووجودها والتسامح معها دلالة على توسع الحرية الفردية؟
ما نريد قوله أن الحرية الفردية التي ينبغي أن تكون التقدم الفعلي في هذا العصر هي في الحقيقة مجرد توسع لقابليتنا على تطبيق ما يتم برمجتنا عليه من قبل ثقافات أخرى أو من قبل شركات أخرى
هذا الأمر كان موجود في الماضي إلا أن الانعزال عن باقي العالم وانعدام أمكانية التواصل مع الثقافات الأخرى كانت تحول دون وجود هكذا سطوة ثقافية عالمية وبقي الموضوع متروك إلى السطوة الثقافية المحلية التي بدورها اكثر تأقلماً مع الإنسان وبيئته.
العربي الذي يعيش في الصحراء كان يرتدي ملابس عربية تلائم الصحراء لأن السطوة الثقافية رسمت له هذا الرداء الذي بدوره كان لباس ملائم لبيئته
العربي المعاصر يرتدي لباس غربي لأن السطوة الثقافية العالمية للغرب رسمت له هذا الرداء مع فرق أنه غير ملائم لبيئته
الذي حصل هو سقوط السطوة الثقافية المحلية أمام السطوة الثقافية العالمية
ثَمّ ما نسميه توسع لحريتنا الشخصية ليس إلا توسع ثقافة عالمية على ثقافتنا المحلية.
بالطبع هذه الثقافة العالمية تمتلك الكثير من الحدود التي لا يجوز أن يتم تجاوزها ابدأ ولكنها لا تهتم بالحدود التي رسمتها الثقافة المحلية فيبدوا لنا أننا نعيش في حرية اكبر والحقيقة هي أننا خرجنا من قفص صغير إلى قفص اكبر.
من يملك الإعلام يملك عقول الناس ومن يملك عقول الناس يملك رغباتهم أيضا .
https://tobaccocontrol.bmj.com/content/9/1/3
ما قدمناه قطرة صغيرة من البحث التاريخي العميق والواسع الذي قدمه برتراند دي جوفينال عن الحرية في كتابه العظيم


أحسنت أحسنت أستاذنا الكريم مقال
مقال رائعة فوق الممتازة و كل مقالاتك رائعة، لأنها تناقش مواضيع عميقة بلغة مفهومة لشخص عامي مثلي و مدعومة بأمثلة نراها يوميا من أرض .الواقع،سلمت يداك