في الانتخابات التي ذهبت دار النقاش حول صفة الوطنية التي اشترطها الكثيرون في المرشحين المقبولين، هنا سوف اكتب عن ما هي الوطنية أصلا.
الخدعة اللغوية :
من الأمور التي يجب استيعابها في الألفاظ والمفاهيم اللغوي أننا كمسلمين غالبا ما نتلقى المصطلح وقد مر بعملية تشويه كبيرة لمعناه وهذا ما حصل لمعاني كثيرة* ومصطلح الوطنية من المصطلحات التي شوهت عمداً لأن المعنى الأصلي سوف يمثل مفهوم مرفوض للمسلم العادي.
مصطلح الوطنية المتداول هو خلط بين مفهومين سياسيين
الأمة أو القوم أو الجماعة Nationalism
والتعصب والتعنصر القبلي patriotism
مصطلح الوطن هو مصطلح يحمل في طياته مزيج بين الآمرين لكن لا يحمل الصفات الواضحة لأي من المصطلحين .
أي مسلم عادي يعرف أن الأمة التي يتبعها هي الأمة الإسلامية التي ترتبط بالإسلام كدين أولاً وأخيرا وكذلك أي مسلم يرفض أن يتعنصر أو يتعصب لقبيلته ولهذا فمصطلح الوطنية يمثل مزيج جيد يسهل ابتلاع السم ويقلل من حذر المناعة الفكرية التي زرعها الإسلام وبذلك أنت لست قومي ولست متعنصر ولكنك وطني تحب بلدك .
بالطبع المصطلح السياسي له مستوين من التطبيق على المستوى السياسي الأعلى فإنه يطبق بعنوان القومية وعلى المستوى الشعبي الأدنى يطبق بمعنى التعنصر القبلي.
تاريخ الوطنية القومية :
هنا سوف نذهب إلى المفكر السياسي بتراند دي جوفينال :
"عندما أغرقت الجمعية التشريعية فرنسا في حكم عسكري لم يجرؤ عليه الملوك الفرنسيين ، اتضح لهم أن القدرة التي تملكها الجمعية كانت اقل من قدرتها على مواجهة باقي أوروبا ، وعليه اصبح من الضروري ان يشارك جميع الشعب في الحرب، كان هذا مطلب ليس له سابقة، وباسم من يطلب هذا الطلب؟ باسم الملك الذي سلبت شرعيته؟ بلا شك لا وعليه كان لابد أن يرفع هذا الطلب باسم الأمة، الوطنية التي كانت لألاف السنين متصلة بشخص الملك تحولت في عقول الرجال إلى الاتصال بشخص الأمة .
...
لم يكون ما حصل هو أسقاط العرش الملكي ولكن الأمة المتشخصة جلست على العرش وكان لها مِيزة اكبر على الملك
فقد كان الناس حذرين من تجاوز الملوك على حقوقهم الشخصية أما الأمة فلم تكون شخصاً فقد كانت هي المحكوم وغير المحكوم لقد كانت "نحن" المسحورين...
لقد كان الموضوع موضوع اعتقاد واكتسب هذا الاعتقاد شرعية في فرنسا ولحقاً في كل أوروبا، كانت جيوش فرنسا تزرع بَذْرَة الأيمان الجديد في كل أوروبا "[1]
وكان من متطلبات تثبيت مفهوم الأمة هذا هو توحيد الفرنسيين لغوياً تحت راية لغة واحدة وهي الفرنسية على الرغْم أنها كانت لغة الأقلية في فرنسا من النخب السياسية الا أنه استعملت كلغة لتوحيد وتثبيت مفهوم الوطن الأمة، لحقاً كان التجنيد الإجباري الذي قام به نابليون الأثر الأكبر على حذف الهُوِية التاريخية والفعلية للأفراد وتثبت مفهوم فرنسا في قلوب الفرنسيين [2]
وبهذا يمكننا أن نفهم لماذا عندما سعى مصطفى كمال أتاتورك لبناء دولة حديثة ركز على توحيد كل من كان في تركيا تحت لغة واحدة وتحويلهم جميعاً إلى أتراك بقوة السلاح، وهو أمر لم يخطر ببال العثمانيين ولم يحلموا به لأن دولة العثمانيين كانت تعتبرهم مسلمين حتى لو اختلفوا في لغتهم وفي عاداتهم وتقاليدهم ولباسهم وشرابهم.[3]
إذن، يمكننا فهم الوطنية هنا على إنها محاولة حذف الفوارق بين رعايا الدولة لغرض زيادة طاعتهم للدولة ولقوة الدولة وتوحيدهم في كائن متخيل واحد هو الوطن الأمة
ولكن كما رأينا من ضرورية الوطن الأمة هو ليس فقط أن يكون بين الشعب مشتركات بل أن يكون بين الشعب أمور منسية أيضا يقول المؤرخ الفرنسي ايرناست رينان : إن أساس الأمة هو أن يكون هناك مشتركات بين الأشخاص وكذلك منسيات اجتمعوا على نسيانها، لا يمكن لأي مواطن فرنسي أن يخبرك إذا ما كان ينتمي إلى البرغنديين أو الألاني أو التيفاليين أو من القوط الغربيين وعلى كل مواطن فرنسي أن ينسى مجازر يوم القديس برثالميو [بين الكاثوليك والبروتستانت] أو المجازر التي حصلت في ميدي في القرن الثالث عشر.
لا يوجد عشر عوائل فرنسية يمكنها أن تعطي دليل على أن أصولها من الفرنجة…[4]
أذن فهمنا حتى ألان أن الوطنية مبنية على محو الهويات المحلية والصغيرة لمصلحة هوِيَّة مفتعلة كبيرة الغرض منها توسيع وحماية ورفع الدولة فوق الاعتبارات الأخرى.
الأمة الوطنية العراقية :
بالعودة إلى سؤال الهُوِيَّة الوطنية العراقية فمن الواضح أنها هُوِيَّة مشوهة على ارض الواقع حيث إن جزء كبير من أعضاء هذه الهُوِيَّة وهم الأكراد لا يرون انفسهم جزء من الأمة العراقية ووجودهم هو بحكم مكره أخاك لا بطل ، المكون السني من الناحية الأخرى يرى أنه اللب الأساسي لهذه الأمة وان له الحق التاريخي بحكم أنه اللب الأساسي أن يحكم الأمة العراقية أو في الأقل يكون على رأس الهرم السياسي، يبقى المكون الشيعي هو المكون المتهم بصحة انتمائه للأمة الوطنية والمطالبة بتذويب نفسه حتى يحفظ هذه الأمة واستمرارية وجودها التاريخي .
من الناحية الواقعية فإن محاولة إزالة مفهوم الوطنية من العقلية العراقية أصبحت شبه مستحيلة ولهذا نرى أن تهمة انعدام الوطنية أصبحت اخطر تهمة توجه لأي طرف سياسي ، وما رأينا في العملية السياسية هو استعمال الوطنية كسلاح قوي ضد القوى التي تصنف نفسها على إنها قِوَى تنبع من أساس ديني في رؤيتها للواقع المطلوب للسياسة العراقية.
من الطبيعي أن تتمسك الأقليات الاجتماعية كالمسيحية مثلاً بالوطنية لأنهم بذلك يكسبون هُوِيَّة ثانوية توفر لهم درجة عالية من النفوذ السياسي، أما لو كانت الهُوِيَّة التي تجمع الأمة العراقية هي هُوِيَّة دينية فإن المسيحيين سوف يكونون أقلية خارجة من منافذ السلطة أو لعلها تتعرض للاضطهاد نتيجة تعريفها خارج الكينونة الاجتماعية العراقية ولهذا فإن الفكر القومي الوطني أول دخوله للبلدان العربية كان عن طريق الأدباء المسيحيين [5] أمثال رشيد الخوري القائل :
بلادك قدِّمها على كـلِّ ملَّـة
ومن أجلها أَفطِر ومن أجلها صُمِ
سلامٌ على كفرٍ يوحِّد بيننا
وأهلاً وسهلاً بعـده بجهـنَّم.
ومن هذا الباب نستطيع أيضا فهم تمسك العلمانيين بالوطنية إلى هذه الدرجة على الرغْم أن التطور الطبيعي للعلمانية هو إخضاع الأوطان لكيانات سياسية اكبر من الوطن والأمة مثل الأمم المتحدة لكن حتى ألان يمثل الشعار الوطني حماية جيدة للفكر العَلمانية حيث أنه الهُوِيَّة الوطنية يسهل أعادة صياغتها وتعريفها اكثر من الهُوِيَّة الدينية لذا فإنّ تطبيق العَلمانية أسهل بكثير تحت سلطان الوطنية منه تحت سلطان الدين.
اذا صدق ما قلناه من أن الوطنية مبنية على ما تقرر الشعوب نسيانه فماذا نملك نحن كعراقيين حتى ننساه ؟ لدينا الهُوِيَّة الدينية ولدينا الهُوِيَّة العربية الثقافية والعرقية .
بلا شك لا تمثل الهُوِيَّة العرقية - لغير الأكراد- أي عامل مهم يجب أن ينازع على وجوده وكلنا نرى كيف أن الكثير من العراقيين العرب يرفضون تعريف انفسهم على انهم عرب ويفضلون مسميات مثل "سومري، أكدي، بابلي" وهي بدورها مسميات لا معنى لها ولكنها لها معنى سلبي لذا يمكننا ترجمتها كلها بعبارة "أنا ارفض أن اكون عربي".
وعلى هذا الباقي الذي يجب أن ننساه لتحقق الوطنية بشكل فعلي هو الهُوِيَّة الدينية وهذا الحاصل اليوم ، يمكنك أن تخبر أي شخص انك تتخذ قرارات سياسية على أساس حفظ دينك أو طائفتك وسوف تضمن أن يعتبرك هذا الشخص متخلف و من أشكال التحجر العقلي و الإعاقة الفكرية المزمنة وسوف تضمن خسارتك في أي انتخابات سياسية حتى لو كانت انتخابات على إدارة نادي رياضي .
-----
* راجع البحث اللغوي عن مصطلح العلمانية الذي كتبه الدكتور سامي عامري في كتابه العَلمانية طاعون العصر
[1] On power, its nature and the history of its growth
Book by Bertrand de Jouvenel
[2] Nations and Nationalism since 1780 Programme, Myth, Reality , E. J. Hobsbawm
[3] https://www.aljazeera.net/2006/05/23/الكرد-والدمج-في-تركيا
[4]What is a Nation? , Ernest Renan ( https://fee.org/articles/what-is-a-nation/ )
[5] تحولات الفكر والسياسة في الشرق العربي , محمد جابر الأنصاري
