في احد أحياء بغداد يوجد هناك مدرسة لتعليم رقصة الباليه، أصحاب المدرسة يعتقدون أن مدرستهم هذه تحتاج إلى دعم حكومي حتى تبقى مفتوحة ويشكون من قلة الدعم لهم وقلة المخصصات المالية .
يمكننا أن نصنف هذه المؤسسة الحكومية على إنها ليست مؤسسة عضوية في الجسد الاجتماعي للعراقيين فهي غير قادرة على البقاء دون الدعم والرعاية الحكومية لأنها لا توفر أي شيء يحتاجه العراقي أو يهتم به.
هذا المثال ينطبق على الكثير من المفاهيم الموجودة في جسد المجتمع العراقي بل وفي جسد كل الدول والمجتمعات الحديثة .
الدولة الحديثة هي حديقة لا تصمد بوجه الطبيعة في حال انقطع الماء أو السَّماد أو المبيدات الحشرية عنها، قد تكون الأزهار الموجودة في هذه الحديقة هي الوطنية، التقدمية، النسوية، الديمقراطية، العَلمانية ...الخ
في كتابه الأمم والوطنية يتكلم ارنست غالينار عن هذا الموضوع فيقول :
"احد طرق فهم المشكلة المركزية هو ما يلي الثقافات مثلها مثل النباتات تنفصل إلى برية و حدائقي، النباتات البرية تنمو وترعرع بنفسها كجزء من حياة الإنسان، لا يوجد مجتمع دون نظام تواصل وأعراف مشتركة، وهذا النظام البري قادر على أعادة أيجاد نفسه لأجيال وأجيال دون أي تصميم واعي أو أرشاد أو تخطيط ومراقبة أو حتى تغذية خاصة.
أما ثقافات الحدائق المزروعة رغم أنها قد تكون نمت من أنواع برية . ألا إنها تمتلك تعقيداً وغنى يحتاج إلى أن يغذى بالتعليم والأشخاص المتخصصين وسوف يهلك إذا تم أيقاف هذه التغذية الخاصة عنه المتمثلة بمؤسسات متخصصة للتعليم مع أعداد من الأشخاص المكرسين لذلك العمل.
في الحقْبَة البشرية الزراعية تحولت بعض الثقافات العليا أو التقاليد الكبرى إلى نباتات دائميه ومهمة ولكنها لم تكون تملك القدرة على فرض نفسها على المجموع الكلي أو حتى على الأغلبية للشعوب ولكنها عموماً نجحت بفرض نفسها على الجميع على ان لها مرجعية شرعية.
في العصر الصناعي كل ذلك تغير. الثقافات العليا أصبحت تتغلب بشكل جديد. العقائد القديمة التي كانت ترافق الثقافات العليا تفقد سلطتها ولكن طرق التواصل التي استعملتها الثقافات العليا أصبحت اشد سطوة وفوق ذلك كله اصبح على الجميع أن يسير معها ، بمعنى أخر اصبح الجميع متعلم ويجب عليه أن يتواصل بشفرة معينة وبجمل مؤطرة ومقننة .
ولكن هذه الثقافة العليا التي أصبحت كونية في الشعوب أصبحت ألأن تحتاج بقوة للدعم السياسي ...في العصور المظلمة كان يمكن للكنائس أو المعابد البوذية أو زوايا الدراويش أو مجتمعات البراهمة أن تنجوا وتبقى حية كثقافة عالية حتى دون دعم السيوف لها "
لقد راقبنا هذه العملية تحصل في العراق بعد سقوط الدولة البعثية، في يوم وليلة أصبحت الهوِيَّة الخاصة مغلبة على الهوِيَّة العامة التي كانت تفرضها الدولة، مؤسسات عَلمانية، نسوية، تقدمية …الخ كلها أصبحت هامشية وغير قادرة حتى إن تبقى مفتوحة.
إذا فشلت الدولة يوماً ما بدفع رواتب جيوش موظفيها سوف يعود الإنسان مرة أخرى إلى البرية.
Nations and Nationalism
Book by Ernest Gellner
