العملات الرقمية، السياسة والدين
في الأيام الأخيرة أصبحت العملات الرقمية الحاضر الغائب في إي حديث اقتصادي وأصبح حتى الإنسان الأمي تكنولوجياً يتحدث فيها بعد أن كانت تكنولوجيا خاصة بالمهتمين بها فقط في دوائر محدودة من المتولعين بالبرمجة.
تاريخ العملات:
أول نظام للعملات هو التبادل التجاري للسلع حسب الحاجة لها، أو إيجاد حاجة مستقرة الكل يحتاجها في حياته اليومية فمثلاً ظهرت في سومر الحنطة كعملة ثابتة الكل يستعملها في بيعه وشرائه
هذا النظام التجاري يعاني من مشكلتين، الأولى محدودية التبادل التجاري والثانية قلة إمكانية خزن القيمة للاستخدام اللاحق والبعيد.
لَحِقَا ناب عن هذه الطريقة البدائية بالتبادل التبادل التجاري باستخدام العملات المعدنية من ذهب وفضة ونحاس وحديد. قدمت هذه العملات فاعلية أكبر في القدرة على تخزين القيمة لكنها قدمت مركزية الدولة، يمكنك بسهولة أن تراجع سجلات التاريخ لتجد أن المناجم كانت يحتكرها الحكام بالحق الشخصي لحفظ اقتصاد الدولة المباشر قبل ولادة أي مفهوم للثروة القومية.
لكن هذا الأسلوب من العملات هو بدوره محدود لأن مقدار ما تستطيع القيام به من أفعال كحاكم مرتبط بقدرتك على توليد العملات التجارية ولهذا يمكنك أن ترى كيف أن الدولة كانت تأخذ الضرائب على شكل أغنام ودجاج وغلات لأن العملات نفسها لم تكون كافية لتغطية كل التعاملات التجارية وبالتالي هنا حدود على قدرة الدولة على تسيير الجيوش ودفع الرواتب وإقامة المشاريع الكبرى.
كما أن هناك مشكلة نقل هذه العملات المعدنية من مكان إلى آخر في حالات البيع والشراء فمثلاً لو بيع دار بمليون دينار ذهبي فهذه القطع المعدنية سوف تمثل مشكلة في نقلها وحفظها وتأمينها من السرقات... إلخ ولو أخذنا الأمر على مقياس الدولة لصار الأمر أكثر اعضالاً
في عام 1696 قام بنك ستوكهولم باختراع نظام جديد، فبدل حمل العملات المعدنية يمكنك حمل ورقة تضمن ما يساويها من العملات المعدنية، يتكفل البنك بحفظ العملات المعدنية وخزنها ويمكنك أن تستلم نفس العملات عند الحاجة إذا ذهبت إلى أي فرع من فروع البنك شريطة أن تمتلك تلك الورقة التي تمثل ملاحظة بنكية أو عملة ورقية.
النظام الجديد أتاح سهولة أكبر في التبادل التجاري وكذلك أتاح إمكانية حفظ القيمة بشكل أكبر، من جهة أخرى أتاحت هذه البنوك القروض البنكية للملوك والأمراء التي تؤلمه أن يجهزوا الجيوش أو يبنوا القصور والمشاريع العامة ثم يسددوا هذه الديون أما بفتوحات جديدة أو من مردود الضرائب.
مع هذا النظام الجديد تولدت مشكلة جديدة، أصبح النظام الاقتصادي أكثر مركزية من ذي قبل، إذ لا تعامل تجاري يمكن أن يحدث دون أن يمر ببنك ستوكهولم المركزي وكذلك يمكن للدولة أن تتحكم بالاقتصاد عبر التحكم بهذا البنك الذي يمثل العمود الفقري الذي يقف عليه كل شيء حتى بيع البيض بين مزارعين متجاورين.
ولادة التضخم:
التضخم يقصد به هو خسران النقود لقيمتها الشرائية مع الوقت، عندما تسمع جدك وهو يقول كنت أشتري بدينار شقة وأثاث وأتزوج بينما أنت لا تستطيع أن تفعل ذلك الا بملايين الدنانير فهنا لم تصبح الشقق أغلى بالضرورة وكذلك لم تصبح قطع الأثاث أغلى وإنما الدينار نفسه فقد قيمته الشرائية
في روما القديمة احتاج القيصر نيرون إلى أموال يدفع بها رواتب جيشه ولما لم يجد فضة كافية يدفع بها للجنود أمر بجمع الفضة من يد الناس ثم قام بصناعة دراهم فضية جديدة إلا أن مقدار ما فيها من الفضة كان أقل واستبدل الكمية الناقصة بمعادن أخرى مثل القصدير أو النحاس.
هنا هو طبع عملات فضية أكثر لكنه لم يطبع قيمة مساوية لهذه العملات وبالتالي حصل تضخم للعملة الرومانية
في بغداد العصر العباسي حصل أمر مشابه، نتيجة لتعاقب الحكام وحاجتهم للمصاريف اضطروا إلى تخفيض قيمة العملات وظهر في ذلك العصر أناس متخصصين في العملات عرفوا بالصيارفة وظيفتهم معرفة مقدار الذهب أو الفضة وجودته ثم تقدير قيمة العملة
ولادة العملات الرقمية
عام 2009 كتب مهندس مجهول الهوية سمى نفسه ساتوشي ناكأمورا ورقة بحثية بعنوان
"البتكوين: نظام نقد يعتمد على نظام الند للند"
وضع ساتوشي البنية الأساسية للهزة العملة الرقمية ثم بدء بالعمل على البرمجة التي تمكنه من تحقيق تصوره.
كان التصور هو أن يكون النظام لا مركزي وأن يكون هناك عدد محدود من العملات وأن تزيد صعوبة توليد هذه العملات مع الوقت.
الهدف من هذه المبادئ هو القضاء على ظاهرة التضخم في العملة والإلغاء الحاجة إلى الدول والبنوك كوسيط في عمليات البيع والشراء دون فقدان أهميتها في حفظ الحقوق.
تتشكل العملات الرقمية من ثلاث طبقات
التكنولوجيا ويقصد بها كيفية عمل العملة ودواخلها الإلكترونية وما هي طرق توليدها وطرق تداولها
التطبيق ويقصد به العلامة والاسم الذي يشار به إلى هذه العملة مثل بتكوين أو ايثيروم أو مونيرو مع التنبيه أن كل تطبيق قد يعطي ميزات مختلفة عن الآخر فمثلاً مونيرو تتيح للمتبادلين السرية التامة فلا يعرف من البائع ومن المشتري.
وأخيراً طريقة حماية التبادلات التجارية في نظام block chain
هذا النظام يفترض أن كل حاسوب موجود على شبكة العملة الرقمية هو شاهد عيان على عملية تبادل تجاري ولا يمكنه أن يشهد الا بحل لغز تسفيري صعب فإذا ما قدر على حل هذه اللغز يسجل في حاسوبه العملية التجارية ويكافئ بمقدار متغير من العملة الرقمية ينخفض مع الزمن.
أي أن الذي يشهد في عام 2009 على تبادل تجاري يربح أكثر من الذي يشهد عام 2021
السياسة
من الناحية السياسية قد نبهنا إلى أن العملات الرقمية تقصي دور الدولة من السيطرة على طبع وتوزيع ومقدار العملة في السوق لأنها لا تخضع لأي جهاز مركزي سواء كان البنك المركزي أو وزارة المالية أو أين يكن، كما أن نظام الشهود blockchain يتيح عدم إمكانية تلاعب الدولة بهذه التعاملات التجارية أو تزويرها أو حذفها.
ولكن على الصعيد الدولي فالقصة مختلفة. رغم صعود الصين وروسيا كقوى منافسة لأمريكا إلا أن هيمنة الدولار الأمريكي لا زالت أمر لا مفر منه حتى لأكثر الدول معارضة للنظام الاقتصادي الأمريكي. لو قدرت العملات الرقمية على تحويل نفسها إلى مادة تعامل تجاري عالمية فهذا يعني فقدان أي إمكانية اقتصادية للضغط على الدول لأن تعاملاتها التجارية لن يمر عبر الولايات المتحدة الأمريكية.
الدين:
من الناحية الدينية فأكثر الجهات الدينية الإسلامية على اختلاف طوائفها أفتت بحرمة التعامل أو بيع أو شراء العملات الرقمية لدخولها داخل مفهوم الغرار أو لإمكانية استعمالها في أنشطة إجرامية أو لعدم وضوح كيفية عملها
من ناحية كونها تدخل في الغرار فإن سبب ذلك هو أن العملات الرقمية لا زالت قليلة وهناك طلب عالي عليها يتذبذب وبالتالي تنقص القيمة بشكل كبير ثم تعود إلى الارتفاع بشكل كبير، من الناحية العملية العملات الرقمية ليس فيها إي تغير في القيمة الفعلية لها ولكن لأنها ألية مبكرة فكثرة الداخلين والمتخوفين فيها تساهم في هذا التذبذب غير معلوم في السعر
أما لكونها قابلة للاستخدام في أنشطة إجرامية فهذا ينطبق على العملات الورقية.
من الناحية الدينية تمثل هذه العملات إمكانية للعودة إلى الاقتصاد الإسلامي الذي يفترض أن العملة يجب أن تبقى ثابتة القيمة وأما العملات المعاصرة فهي متذبذبة بشكل كبير وتفقد قيمتها بشكل مستمر حتى لو كانت الدولة مستقرة، بعض الدول تعالج هذا بالسعي نحو النمو الاقتصادي المستمر وكذلك عبر تقليل مقدار التضخم.
من ناحية أخرى فهو يتيح حرية كبيرة للمسلمين لحفظ أموالهم بعيداً عن يد الدول المعادية ويمكنهم كذلك أن يرسلوا تبرعاتهم دون أن يتسبب ذلك بأي ضرر عليهم من الناحية الاقتصادية
أود التنبيه: إنني لست فقيه ولا اعتبر كلامي الذي سبق فتوى مبرئة أمام الله ولكنه توضيح بسيط لخبرتي في الموضوع كذلك أود أن أنبه أنني لا أقدم نصيحة مالية هنا لمن يريد أن يستثمر أو لا يستثمر فهذا يبحث الشخص به مع نفسه.
المصادر :
- The history of money, Jack Weatherford
-International Order in the Coming Cryptocurrency Age: The Potential to Disrupt American Primacy and Privilege? Nicholas Ross Smith

بارك الله فيك و جزيت خير الجزاء في الدنيا والآخرة.