على السطح يبدوا سؤال الزواج مبكراً أم متأخراً سؤالاً شخصية ولكن في الحقيقة هو موضع صراع بين الرأسمالية وطبقة العمال لأنها تمثل وجهتي نظر مختلفتين، تأخير الزواج هو نوع من الثورة التي من طريقها يتم إزالة التقاليد القديمة وبناء قِوَى اجتماعية جديدة ، الشباب الثوري يجب أن يزيدوا من ويعيهم ويحاربوا التفكير المنحط للعالم الرأسمالي وعليه تأخير الزواج من اجل تحطيم السلوكيات القديمة والعادات والتقاليد لأثبات الاشتراكية وبعدها بناء نظام جديد [1]
ما سبق كان اقتباس من منشور وزع في احد المصانع الصينية في 1976
وما سوف أحاول فعله في هذا المنشور هو دراسة تاريخ التعليم الجنسي وكيف دخل إلى المدارس ولماذا ؟
أن التعليم الجنسي عندما قدم إلى أمريكا أول مرة كان تحت ذريعة "النظافة الاجتماعية" وكان المروج له والداعم المادي هو البنكي ديلكوفر كانغ ولكنه لم يلق أي نجاح في الانتشار قبل الحرب العالمية الأولى.
العديد من الأطباء الذين استجابوا إلى دعوات ديلكوفر كانغ كانوا يحاولون حصر كتبهم عن التعليم الجنسي بيد الأزواج والمختصين في المجال الطبي
حتى في فرنسا كان عنوان أول المنشورات لتعليم الجنس يكتب تحتها
"إلى أبناءنا عندما يصبحون بعمر الثامنة عشر, والى بناتنا عندما ترى الأم انهن جاهزات"
بالتالي كانت حركة التعليم الجنسي ليست محاولة لإعادة صياغة المجتمع أو محاولة بناءه على نمط معين وإنما كان المقصود هو وِجدان وعي صحي عند المنتقلين من المراهقة إلى البلوغ
كان المهتمين بالتعليم الجنسي بشكل أجنداتّي محصورين في دوائر الاشتراكيين والفوضويين إمثال مارغريت سانغر التي كانت تدور على النساء الاشتراكيات لتبشر بفضائل منع الحمل وكيف أنه يسمح للمرأة أن تستمع بالعلاقة الجنسية دون الخوف من الحبل علماً إنها كانت تعدّ وسائل منع الحمل وسيلة لرفع الحاجة إلى الإجهاض !
دعوات نشر التعليم الجنسي في أمريكا كانت تتجاهل عمداً الكتب والمطويات والمحاضرات التي كان يقدمها آباء الكنيسة، الأطباء وأصحاب النفوذ الأخلاقي على الأسر وكانت تركز على ضرورة الفضيلة الجنسية والابتعاد عن الجنس خارج أطار الزواج ولكنها لم تكون كتب أو مطويات مختصة بالجانب الأخلاقي بل كانت تحتوي على معلومات طبية كثيرة لكن لأنها كانت تقدم بشكل خاص بين من يحتاجها ومن يطلبها لم يكون هذا كافياً ـ كان لابد من ثورة على المجتمع باستخدام التعليم الجنسي.
ويليم رايخ :
حتى منتصف القرن العشرين كانت فكرة تعليم الأطفال الجنس وما يترتب عليه وكيفية ممارسته فكرة خارج عن المعقول، ببساطة كانت النظرة الدينية والتقليدية في أوروبا والعالم الغربي كليًّا هي أن الأطفال خارج هذا الموضوع وان التعليم متروك لتجارب الحياة والثقافة الخاصة كل هذا تغير مع ويليم رايخ الشيوعي الفرويدي واليـ هـ دي الذي روج ونشر بين الأحزاب اليسارية في ألمانيا والنرويج ثم الولايات المتحدة أن الأطفال لديهم حياة جنسية وان عدم الاهتمام بهذه الحياة الجنسية هو احد أسباب القسوة البشرية، سرعان ما تبنت الأحزاب اليسارية في هذه البلدان التي سافر إليها ويليم رايخ هذه الأفكار وكان الرجل حرفياً يمتلك عيادة متنقلة للجنس يعمل فيها كمعالج ومحلل نفساني على الطريقة الفرويدية لأكتشف العقد الجنسية عند الناس
في إنكلترا كانت مدارس المدرس السكوتلاندي ألكسندر نيل المبنية على محاربة "العناصر السلطوية" في الشخصية البشرية عبر تقليل العقبات أمام الأفراد منها التقييد الجنسي على الأطفال والسماح لهم بما سماه "اللعب الجنسي المستقيم [عكس المثلي] هو الطريق الملكي للمستقبل"
في ألمانيا التي كانت تسعى لمنع تكرر تجرِبة الحزب النـ ازي كانت رياض الأطفال تسمح لهم بالتعري و"استكشاف انفسهم" جنسياً كنوع من محاربة النزعة السلطوية في الشخصية البشرية
في الخمسينيات ثيودور اديرنو في دراسته عن "الشخصية السلطوية" يربط بين التسلط والفاشية وبين الاعتراض على الممارسات الجنسية المعاصرة
في الخمسينيات أيضا الفريد كينزي ينشر دراسته "السلوك الجنسي عند ذكر الإنسان "و "السلوك الجنسي عند أنثى الإنسان" كلاهما بدعم من مؤسسة ركورفيلر كلاهما يصبح من أعلى الكتب مبيعاً في أمريكا
بمعنى أن الطبقة المتعلمة التي تحسب على النخبة وما دونها أصبحت ترى أن الجنس ليس فقط شيء طبيعي بل يجب أن يحفز الناس على تعلمه واستكشافه وتوسيع مفهوم الجنس وأزاله الاعتراضات بين الإنسان وبين غرائزه الجنسية كنوع من أنواع محاربة الشخصية السلطوية التي كانت تحكم في القرن التاسع عشر
بالطبع قيمة هذه الدراسات ومدى علميتها كلها مشكوك فيها خصوصاً دراسات كينزي التي اتضح أنه كان يشارك فيها شخصياً عبر ممارسة الجنس مع الحالات التي يدرسها أو عندما استعمل بيانات جمعها من شخص بيدوفيلي واحد ونسبها إلى مجموعة أشخاص حتى تكتسب هذه المعلومات مصداقية اكثر وهو إلى ذلك ضخم من عدد الرجال المثلين في الدراسة لتحريف البيانات كل هذه المراجعة لبيانات كينزي حصلت بعد سنين من احتكام أفكاره في عقول عامة الناس بدعم ورعاية مؤسسات ضخمة ووسائل إعلاميه تسعى إلى نشر أراءه في كل مكان.
ما سبق من سرد تاريخي يجب أن يفهم لمعرفة لماذا وضع التعليم الجنسي في المدارس في الغرب، لم يكون الموضوع من باب رغبة في تعليم الناس أو أزاله جهالة معينة أو رفع مستوى الثقافة عند الأشخاص وأنما كانت طريقة جيدة لتغيير وأعاده بناء المجتمع من أول أفراده وهم الأطفال وبموت الآباء سوف تندثر معهم فضائلهم وآراؤهم وعقليتهم أيضا والزمان كفيل بالانتصار لمن ينجح بالسيطرة على المؤسسات.
في مطوية نشرتها منظومة الصحة العالمية بعنوان :
التعليم الجنسي: ما اثره؟
ينسب الفضل إلى التعليم الجنسي في أنه يخفض من نسب رهاب المثليين
وفي مطوية أخرى بعنوان"تاريخ التعليم الجنسي" نشرتها الأمم المتحدة أيضا في فصل بعنوان :
النظر إلى الأمام التعليم الجنسي كوسيلة للتغير الاجتماعي :"التعليم الجنسي لم يصمم كوسيلة لتغير المجتمع لكن أذا سمح له يمكنه أن يفعل ذلك، التعليم الجنسي لديه القوة لأحداث انتقاله في الولايات المتحدة ويسمح لكل الناس أن يستمتعوا بحقوقهم التناسلية وحريتهم الجنسية كما يُعرفونها لأنفسهم"
في هذا المنشور ، اتضح لنا كيف أن الخطوات التي تتخذ لكسر المحرمات داخل المجتمع لأي سبب كان سرعان ما تتحول كسلاح ضد أخلاقيات ذلك المجتمع ككل ، ما يبدئ كمشروع نبيل يراد منه محاربة مرض أو نشر وعي سرعان ما يتحول إلى برنامَج لإعادة صياغة المجتمع وفق تصور ليبرالي معين للحياة الجنسية وسرعان ما تتحول البرامج ليس لتعليم الجنس بل لنشر تصور معين عن الجنس وكيف يجب أن يتعامل المجتمع مع الجنس، وبذلك يجب مقاومة أي محاولة لتقديم التعليم الجنسي في المدارس تحت أي ذريعة مهما كانت بريئة هذه الذريعة أو مبنية على نية صادقة، يجب أن تبقى هذه المهمة موكلة على العائلة نفسها ولا يمكن أن يخاف على شخص يعيش في عصر المعلومات متوفرة في كل مكان ألّا يفهم كيف تعمل الأعضاء التناسلية أو ألّا يعلم معلومات جنسية عن الطرف الأخر ، الشعار يجب أن يكون ولا خطوة إلى الخلف .
[1] Fraser, Stewart E. “Family Planning and Sex Education: The Chinese Approach.”
[2] Sex Ed, Segregated: The Quest for Sexual Knowledge in Progressive-era America
By Courtney Q. Shah
[3]Shaping Sexual Knowledge A Cultural History of Sex Education in Twentieth Century Europe Edited by Lutz D. H. Sauerteig and Roger Davidson

أحسنت أحسنت أستاذنا الكريم ،مقال قيم جدا.